محمد أبو زهرة
2851
زهرة التفاسير
هذا الكلام موجه من أهل الأعراف لكبراء الشرك وزعمائه ، الذين كانوا يعتزون بعصبيتهم وبأنهم أكثر وأعز نفرا ، فإنهم كانوا يستكبرون عن أن يكونوا تابعين ، وهم أهل الجاه الدنيوي ، والكبرياء المادي ، ينادونهم ، لينبهوهم إلى ما يقولون لهم وقد قال اللّه تعالى في ذلك : وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ . نادوهم ليستمعوا إليهم في قول الحق ، وقد كانوا ينادون أهل الجنة يعرفونهم بسيماهم ، أما في هذه المرة ، فينادون : رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ، التي لم تغيرها النيران وإن كبتهم وسودتهم ، وذكر الرجال هنا للإشارة إلى أنهم يخاطبونهم فرادى تقريعا وتذكيرا بسيئاتهم متفردين عن غيرهم . قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ . قال لهم وقد عرفوهم وعينوهم : ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ، وهو العصبية الجاهلية التي كانت تجمعهم على العناد والغطرسة ، ويتعاونون لا لإحقاق الحق ، ولكن على الإثم والعدوان ، ويدخل فيه قوة المال الذي يعتزون به والنفر الذي يستنصرون به ونظرهم لأنفسهم على أنهم أعلى من غيرهم واستكبارهم عن الإيمان بالآيات بتكذيبها . ومن استكبارهم أيضا أنهم يرون أن أتباع النبيين ضعفاء فقراء عبيد فقط ، كما قاله قوم نوح لنوح : . . . وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . . . ( 27 ) [ هود ] . فسألهم أهل الأعراف : هل أغنى عنكم هذا فلم يعذبكم اللّه تعالى ، بل أنتم هؤلاء في الجحيم تذوقون عاقبة ذلك ، تريدون النجاة ولا منجاة . ويلتفت أهل الأعراف إلى أهل الجنة ، فيجدون الضعفاء الذين كانت تزدريهم أعين هؤلاء الطغاة فيخاطبونهم وهم في النار بقولهم :